أحمد بن محمد القسطلاني

304

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الأصيلي ولابن عساكر باب البول في الماء الدائم ، وللأصيلي : لا تبولوا في الماء الدائم . 238 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ » . [ الحديث 238 - أطرافه في : 876 ، 896 ، 2956 ، 3486 ، 6624 ، 6887 ، 7036 ، 7495 ] . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) بتخفيف الميم الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( قال : أخبرنا ) ولابن عساكر حدّثنا ( أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدّثه أنه سمع أبا هريرة ) رضي الله عنه ( أنه سمع ) وللأصيلي قال : سمعت ولابن عساكر يقول : سمعت ( رسول الله ) ولابن عساكر النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( نحن الآخرون ) بكسر الخاء أي المتأخرون في الدنيا ( السابقون ) أي المتقدمون في الآخرة . 239 - وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ : « لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ » . ( وبإسناده ) أي إسناد هذا الحديث السابق ( قال ) : ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ) القليل الغير القلتين فإنه يتنجس وإن لم يتغير وهذا مذهب الشافعية . وقال المالكية : لا ينجس إلا بالتغير قليلاً كان أو كثيرًا جاريًا كان الماء أو راكدًا حديث : " خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء " الحديث . وعند الحنفية : ينجس إذا بلغ الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك أحدها ، وعن أحمد رواية صحّحوها في غير بول الآدمي وعذرته المائعة فأما هما فينجسان الماء وإن كان قلّتين فأكثر على المشهور ما لم يكثر أي بحيث لا يمكن نزحه ، وقوله : ( الذي لا يجري ) قيل : هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه . وقيل : احترز به عن الماء الدائر لأنه جارٍ من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى . وقال ابن الأنباري : الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر ، ويطلق على البحار والأنهار الكبار التي لا ينقطع ماؤها أنها دائمة بمعنى أن ماءها غير منقطع ، وقد اتفق على أنها غير مرادة هنا وعلى هذين القولين فقوله الذي لا يجري صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك ، وهذا أولى من حمله على التوكيد الذي الأصل عدمه ، ولا يخفى أنه لو لم يقل الذي لا يجري مجملاً بحكم الاشتراك الدائر بين الدائر والدائم ، وحينئذ فلا يصح الحمل على التأكيد أو احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك . ( ثم ) هو ( يغتسل فيه ) أو يتوضأ وهو بضم اللام على المشهور في الرواية ، وجوز ابن مالك في توضيحه صحة الجزم عطفًا على يبولن المجزوم موضعًا بلا الناهية ، ولكنه فتح بناء لتأكيده بالنون والنصب على إضمار أن إعطاء لثم حكم واو الجمع . وتعقبه القرطبي في المفهم والنووي في شرح مسلم بأنه يقتضي أن النهي للجمع بينهما ، ولم يقله أحد بل البول منهي عنه أراد الغسل منه أو لا . وأجاب ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد ، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب ، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر انتهى . يعني كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا : نهى عن البول في الماء الراكد . وقال القرطبي أبو العباس : لا يحسن النصب لأنه لا ينصب بإضمار أن بعد ثم ، وقال أيضًا : إن الجزم ليس بشيء إذ لو أراد ذلك لقال ثم لا يغتسلن لأنه إذ ذاك يكون عطف فعل على فعل لا عطف جملة على جملة ، وحينئذ يكون الأصل مشاركة الفعلين في المنهي عنه وتأكيدهما بالنون المشددة ، فإن المحل الذي توارد عليه شيء واحد وهو الماء ، فعدوله عن ثم لا يغتسلن إلى ثم يغتسل دليل على أنه لم يرد العطف ، وإنما جاء يغتسل على التنبيه على مآل الحال ، ومعناه : أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما وقع فيه من البول . وتعقبه الزين العراقي بأنه لا يلزم من عطف النهي على النهي ورود التأكيد فيهما معًا كما هو معروف في العربية ، قال : وفي رواية أبي داود لا يغتسل فيه من الجنابة فأتى بأداة النهي ولم يؤكده ، وهذا كله محمول على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدّ القليل ، وقد تقدم قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه وهو قوي ، لكن التفصيل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه ، وقد نقل عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير وهو قول الباقين في الكثير ، وقد وقع في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد : ثم يغتسل منه بالميم بدل فيه وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط ، فلفظة فيه بالفاء تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط ولفظه منه بالميم